مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد القائد العسكري في المقاومة الحاج عماد مغنية، تتصرّف إسرائيل بكثير من الحذر والجدية إزاء ما تفترضه هجوماً نوعياً انتقامياً من جانب حزب الله.
واستنفار العدو لا يقف عند إجراء ولا عند عنوان داخل إسرائيل أو خارجها، بل إن الأمور تتسابق نحو مستوى جديد يأخذ بعين الاعتبار إقرار إسرائيل بأن لحزب الله القدرة على تحقيق نجاح في أي مكان يختاره، ولو أن التحذيرات الصادرة بصورة دورية عن الجهة المعنية في تل أبيب، تخص بعض الدول بين فترة وأخرى وتعيد ترتيب الأمور بطريقة توحي كأن حزب الله يملك ذراعاً أمنياً يمتد حول كل العالم، وهو الأمر الذي يترافق مع آلية متابعة لآلاف من اللبنانيين الذين يعيشون في الخارج أو يترددون إليه، وثمة استنفار لا يبقي على حركة من حول السفارات الإسرائيلية أو المؤسسات الإسرائيلية في العالم، وإضافة أسماء يوماً بعد يوم إلى لائحة المشمولين بقرارات متنوعة، بينها منع السفر إلا في حالات خاصة، أو منع التنقل في بعض الدول، أو إيفاد بعثات أمنية ظاهرة أو غير ظاهرة لتوفير الحماية لعدد من الشخصيات السياسية والعسكرية والأمنية التي تعتقد إسرائيل أنه يمكن لحزب الله الوصول إليها بقصد اغتيالها أو خطفها.
وفي كل مرة يصدر عن الحزب بيان أو موقف أو تصريحات، وخصوصاً تلك التي يطلقها أمينه العام السيد حسن نصر الله، تجد إسرائيل في حالة استنفار تخص بعض الطواقم التي تعمل على تحليل هذه المواقف أو هذه الأخبار، وتحاول قراءتها من زوايا مختلفة، بينها ما يخص «تهيئة الأجواء» لعمل ما، أو رسالة مشفرة لكي تصل إلى المعنيين فيها، أو السعي إلى تهيئة الرأي العام لخطوة مقبلة. ويصبح الاستنفار أكبر عندما تتلقى إسرائيل من أجهزة أمنية عربية وغربية معلومات عن تحركات لأشخاص تفترض إسرائيل أنهم يعملون لمصلحة الحزب أو أن الحزب أوفدهم للقيام بأعمال لها صلة بالعملية الانتقامية المفترضة.
إلا أن أحداً في هذا العالم لا يمكنه تقديم توضيحات أو شروح أو حتى تقديرات منطقية لما ينوي الحزب القيام به. لكن الأكيد لكل من يعرف العقل البارد في حزب الله، أن قرار «معاقبة القتلة وتأديبهم» له طابعه التنفيذي، وبالتالي لا عودة عنه ولا مراجعة له ولا تعديلات في وجهته، لكن الآلية التي يعمل عليها لتحقيق هذا الهدف، تخضع لحسابات قد تكون في غاية التعقيد وقد تكون في غاية البساطة، لكن قيمتها تكمن أساساً في كونها آلية غائبة عن الأعين وعن أيدي المحبين أو المعادين، وهو ما يجعلها في مأمن لناحية عدم قدرة العدو على تحقيق اختراق يستفيد منه للقيام بعمل وقائي يمنع تحقيق الهدف، ثم لكونها آلية لا سوابق لها، وهذا ما يوسّع من دائرة الاحتمالات عند العدو، الذي يصبح محتاجاً إلى عملية تفكير مفتوحة، ويضطره في بعض الحالات إلى التصرف بتوتر يفيد المقاومة، علماً بأن القلق الذي ينتاب المؤسستين العسكرية والأمنية في إسرائيل لا يمكن محوه إلا عند إعلان رسمي من الحزب بأن الهدف تحقق، وهذا ما يفتح سؤالاً إضافياً عمّا إذا كان رد الحزب عبارة عن عملية عسكرية أو أمنية، أم سيكون ضمن مسلسل من الردود لمعاقبة كل المتورطين في عملية اغتيال الشهيد مغنية، أم هو يريد حصر الاقتصاص بمن يصدر القرار ويوفر التغطية اللازمة لتنفيذه، وهو أمر يوسع إلى حد كبير دائرة المفترض أنهم أهداف.
الأمر الآخر يتصل بأن عملية الرد على اغتيال الشهيد مغنية التي لا يعرف أحد مكانها وزمانها وشكلها وعنوان هدفها، سوف تأتي في سياق سياسي وأمني وعسكري، وخصوصاً أن إسرائيل التي تكثر في الأيام الأخيرة من تهديداتها وإنذاراتها للحزب بغية منعه من القيام بعملية الرد، تحاول أن تضع على الطاولة بنداً فيه أنها مستعدة للقيام بعملية عسكرية كبيرة إذا شن الحزب هجومه، وفي هذه الحالة تسعى إسرائيل لإبلاغ الحزب واللبنانيين عموماً أن أي عمل سيقوم به الحزب في سياق الرد على اغتيال مغنية، لن يكون محصوراً في هذا الإطار، بمعنى أن إسرائيل لن تتعامل مع الرد على أنه عملية x عملية، بل تريد أن تجعله عنواناً لعمل عسكري كبير من جانبها، علماً بأن قراراً من هذا النوع له ظروفه التي لا تشبه البتة ظروف قرار العدوان على غزة، ولا ظروف المعركة أصلاً.
وبالتالي فإن الحزب الذي يدرس عادة خطواته في هذا المجال، لن يعلق أيضاً على تقديرات إسرائيل أو يرد على رسائلها هذه بتوضيحات عن طبيعة الظروف السياسية المناسبة له كي يقوم بعمل ما. ذلك لأن قرار الرد متخذ ولا مجال للعودة عنه، حتى لو أعلنت إسرائيل أسماء المنفذين وأعدمتهم، كما أن لدى الحزب من الخيارات العملانية ما يكفي لكي يقوم بما يريد القيام به وحيثما كان، ما دامت إسرائيل قررت فتح هذه الجبهة من دون حدود أو خطوط حمراء. أما الأمر الأخير، فإن إسرائيل تعي أن رد الحزب لا يستهدف الانتقام على قاعدة دم مقابل دم، بل إن للرد وظيفة أساسية وهي وظيفة ردعية تجعل إسرائيل تفكر كثيراً قبل أن تعاود الكرّة. وفي هذا التقدير بحد ذاته ما يشير إلى نوعية الهدف المفترض.